عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

100

معارج التفكر ودقائق التدبر

* فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ : أي : فأولئك أصحاب الدّركات السافلات الذين يشار إليهم باسم الإشارة الموضوع للبعيدين ، هم الّذين خسروا أنفسهم . ومعلوم أنّ خسارة الأنفس أعظم الخسارات ، وجاءت الفاء في جملة الخبر لما في المبتدأ من رائحة الشرط . * بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ : أي : خسروا أنفسهم بسبب ما كانوا في الحياة الدّنيا حياة الابتلاء ، يظلمون على توالي الأيام ، واللّيالي ، بترك اتّباع آياتنا ، الّتي أمرناهم باتّباعها . الظّلم : تجاوز حدّ الحقّ والخير والواجب ، إلى مهاوي الباطل والشّر والموبقات ، ووضع الشّيء في غير موضعه . فمن عصى اللّه ورسوله فقد ظلم بتجاوزه ما يجب عليه أداؤه ، وبارتكابه ما يحرم عليه فعله ، وظلم نفسه إذ عرّضها للعقوبة ، ودفع بها إلى درك الشقاء والعذاب . فمعنى : بِآياتِنا يَظْلِمُونَ : يظلمون بتركهم اتّباع آياتنا المنزّلات ، التي أمرناهم باتّباعها ، وهو ما جاء بيانه في الآية ( 3 ) من هذه السورة التي نتدبّر آياتها ، والّذي هدى إلى هذا التقدير أنّ فعل « ظلم » يتعدّى بنفسه ، ولا يتعدّى بالباء ، والتقدير الملائم أن نقول : يظلمون بتركهم اتّباع آياتنا المنزّلات الّتي أمرناهم باتّباعها ، وهو المناسب لما جاء في صدر السورة . * * * * قول اللّه عزّ وجلّ : وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ . ( 10 ) يخاطب اللّه عزّ وجلّ في هذه الآية بضمير المتكلم العظيم ، النّاس